ابن حمدون

283

التذكرة الحمدونية

مستبقة جارية ، تشتاق إلى الصيد وهي لا تطعمه ، وتحنّ إليه كأنّه قضيم تقضمه ، وعلى أيدينا جوارح مؤلَّلة المخالب والمناسر ، ومذرّبة النّصال والخناجر ، طامحة الألحاظ والمناظر ، بعيدة المرامي والمطارح ، ذكيّة القلوب والنفوس ، قليلة القطوب والعبوس ، ذات قوادم كثّة أثيثة ، وخواف وحفة أثيرة ، سابغة الأذناب ، كريمة الأنساب ، صليبة الأعواد ، قويمة الأوصال ، تزيد إذا ألحمت شرها وقرما ، وتضّاعف إذا شبعت كلبا ونهما . فبينا نحن سائرون ، وفي الطلب ممعنون ، إذ وردنا ماء زرقا جمامه ، طامية أرجاؤه ، يبوح بأسراره صفاؤه ، وتلوح في قراره حصباؤه ، وأفانين الطير به محدقة ، وغرائبه عليه واقعة ، متغايرة الألوان والصفات ، مختلفة اللغات والأصوات ، فمن بين صريح خلص وتهذّب نوعه ، ومن مشوب تهجّن أو أقرف عرقه . فلما أوفينا عليها ، أرسلنا الجوارح إليها ، كأنها رسل المنايا ، أو سهام القضايا ، فلم تسمع إلَّا مسمّيا ، ولم تر إلَّا مذكَّيا . ثم عدنا لشأننا دفعات ، وأطلقنا مرات ، حتى ازددنا واستكثرنا ، وانتهينا واكتفينا ، وانطلقنا بعد ذلك نعتام ونتخيّر ، ونقترح ونتحكَّم . فكان الدرّاج أطرف مطلوباتنا ، وأنظف مأكولاتنا ، فاستثرناه عن مجاثمه ، وانتزعناه من مكامنه ، واختطفنا ببزاتنا ما طار منه وانتشر ، وبعثنا بوازجنا على ما تبنّج واستتر ، فاهتدت إليها كالودائع المستودعة ، وأظهرتها كالكنوز المستخرجة ، تستدلّ عليها بالشميم ، وتستنبطها بالنسيم . فلم يفتنا ما برز ، ولا سلم منا ما احتجز . ثم عدلنا - أيّد اللَّه الأمير - عن مطارح الحمام ، إلى مسارح الآرام ، نستقري ملاعبها ، ونؤمّ مجامعها ، لا نألو بحثا وفحصا ، ولا نفتر اجتهادا وحرصا ، وأمامنا أدلَّة فرهة يهدون ، وروّاد مهرة يرشدون ، حتى أفضينا إلى أسراب كثيرة العدد ، متصلة المدد ، لاهية بأطلائها ، راتعة في أكلائها ، غارّة بما أحاط بها ، ذاهلة عما أعدّ لها ؛ ومعنا فهود أخطف من البروق ، وأثقف من الليوث ، وأجدى من الغيوث ، وأمكن من الثعالب ، وأنزى من الجنادب ، وأدبّ من